ابن قيم الجوزية

15

الوابل الصيب من الكلم الطيب

يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا * يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } وخطب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه يوماً ، فلما كانت الشمس على روؤس الجبال وذلك عند الغروب قال : « إنه لم يبقى من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه » فليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث ، وليعلم أي شيء حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي في الدنيا بأسرها ، ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام ، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظ خسيس لا يساوي شيئاً ، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ موفوراً وأكمل منه ، كما في بعض الآثار : ابن آدم بع الدنيا بالآخرة تربحهما جميعاً ، ولا تبع الآخرة بالدنيا تخسرهما جميعاً . وقال بعض السلف : ابن آدم ، أنت محتاج إلى نصيبك من أحوج . فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة وكنت من نصيب الدنيا على خطر ، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظاماً . وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول في خطبته : أيها الناس ، إنكم لم تخلقوا عبثاً ، ولم تتركوا سدى . وإن لكم معاداً يجمعكم الله عز وجل فيه للحكم فيكم ، والفصل بينكم ، فخاب وشقي عبد أخرجه الله عز وجل من رحمته التي وسعت كل شيء ، وجنته التي عرضها السماوات والأرض . وإنما يكون الأمان غداً لمن خاف الله تعالى واتقى ، وباع قليلاً بكثير ، وفانياً بباق ، وشقاوة بسعادة . ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين ، وسيخلفه بعدكم الباقون ؟ ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غادياً رائحاً إلى الله قد قضى نحبه ، وانقطع أمله ، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد ، قد خلع الأسباب ، وفارق الأحباب ، وواجه الحساب ؟ والمقصود أن الله عز وجل قد أمد العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود والعدد والأمداد ، وبين له بماذا يحرز نفسه من عدوه ، وبماذا يفتك نفسه إذا أسر .